قصة أصحاب الغار الثلاثة

دروس من قصص السنة النبوية الشريفة

 

بقلم: الشيخ الدكتور ضياء الدين عبدالله الصالح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فلا يخفى ما للقصة من أثر ايجابي في النفس، في تهذيبها وتربيتها، وأخبار السابقين وقصص الأولين وسير الماضين؛ من أهم وسائل تربية النفوس، وتأديبها على الصالح من الأفعال والأحوال والأقوال، إنها قصص تحكي ليالي وأياماً، ودهوراً وأعواماً، ذهبت أحداثها، وبقيت آثارها، ذهب أصحابها وبقيت الدروس والعبر منها، قصص يستفيد منها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولهذا كان للقصص في القران الكريم والسنة النبوية مكانة بارزة وواضحة، ليأخذ المسلم منها الدروس والعبر، وسنتاول بعض قصص السنة النبوية الشريفة ،لنستفيد منها في واقعنا الحالي المؤلم.

 

معنى القصص:

القص تتبع الأثر، يقال: قصصت أثره: أي تتبعته، والقصص مصدر، قال تعالى: (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) (الكهف: 64)، وقال على لسان أم موسى (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ)(القصص:11)، أي تتبعي أثره حتى تنظري من يأخذه.

والقصص كذلك: الأخبار المتتبعة، قال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران:62)، وقال: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ) (يوسف:111).
والقصة: الأمر، والخبر، والشأن، والحال.

وقصص السنة: أخبارها عن أحوال الأمم الماضية، والنبوات السابقة، والحوادث الواقعة، وقد اشتملت السنة على كثير من وقائع الماضي، وأحوال الناس وأخبارهم، وما جرى لهم، وحكت عنهم صورة ناطقة لما كانوا عليه.

والمعهود من النفوس أنها تميل إلى سماع الحكايات والقصص، وهي أطول أمداً في الذاكرة ولذا ينبغي للمربين أن يفيدوا منها في مجالات التعليم والتربية، وفي القصص النبوية مادة خصبة تساعد المربين على النجاح في مهمتهم، وتمدهم بزاد تهذيبي، من سيرة النبيين عليهم السلام، وأخبار الماضين.

ولأهمية القصص في السنة النبوية وأثرها في المسلم اخترنا في هذه المقالة قصة أصحاب الغار الثلاثة، نسأل الله تعالى أن ينفع بها إنه جواد كريم.

 

قصة أصحاب الغار

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللَّهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالاً (أي: لا أقدم في الشرب قبلهما أحداً)، فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما، فجلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي (أي يصيحون من الجوع)، فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللَّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه.

فقال الآخر: اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إليَّ، وفي رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها على نفسها فامتنعت، حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فاعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى أذا قدرت عليها وفي رواية فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليَّ وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللَّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج.

وقال الثالث: اللَّهم إني استأجرت أُجراء وأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبدَ الله أدِّ إليّ أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال: يا عبدَ الله لا تستهـزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستقاه فلم يترك منه شيئاً، اللَّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون)) صحيح البخاري (10/415)، صحيح مسلم (4/1982).

 

الدروس والفوائد والعبر:

أيها الاحبة في الله: تأملوا هذه القصة العظيمة، هؤلاء الثلاثة عرفوا الله تعالى في الرخاء فعرفهم الله تعالى في الشدة، وهكذا كل من تعّرف إلى الله في حال الرخاء واليسر، فإن الله تعالى يعرفه في حال الشدة والضيق والكرب فيلطف به ويعينه وييسر له أموره، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق:2-3)، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (الطلاق: 4).

 

فالأول من هؤلاء الثلاثة:

ضرب مثلاً عظيماً في البر بوالديه، بقي طوال الليل والإناء على يده لم تطب نفسه أن يشرب منه، ولا أن يسقي أولاده وأهله، ولا أن ينغص على والديه نومهما حتى طلع الفجر فدل هذا على فضل بر الوالدين، وعلى أنه سبب لتيسير الأمور وتفريج الكروب، وبر الوالدين هو أعظم ما يكون من صلة الرحم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه)) متفق عليه، صحيح البخاري (10/415)، صحيح مسلم (4/1982).

وهذا جزاء معجل لصاحبه في الدنيا يبسط له في رزقه ويؤخر له في أجله وعمره، قال الشيخ الأ‌لباني رحمه الله: فالحديث على ظاهره؛ أي: إن الله جعل بحكمته صلة الرحم سببًا شرعيًّا لطول العُمر، وكذلك حُسن الخلق، وحُسن الجوار؛ كما في بعض الأ‌حاديث الصحيحة، ولا‌ ينافي ذلك ما هو معلوم من الدين بالضرورة أن العُمر مقطوع به؛ لأ‌ن هذا بالنظر للخاتمة تمامًا كالسعادة والشقاوة، فهُما مقطوعتان بالنسبة للأ‌فراد، فشقِيٌّ أو سعيد، فمن المقطوع به أن السعادة والشقاوة منوطتان بالأ‌سباب شرعًا؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ((اعملوا؛ فكل مُيسر لِما خُلِق له، فمن كان من أهل السعادة، فسيُيسر لعمل أهل السعادة، ومَن كان من أهل الشقاوة، فسيُيسر لعمل أهل الشقاوة))، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5–10]، فكما أن الإ‌يمان يزيد وينقص، وزيادته الطاعة ونقصانه المعصية، وأن ذلك لا‌ ينافي ما كُتِب في اللوح المحفوظ، فكذلك العمر يزيد وينقص بالنظر إلى الأ‌سباب، فهو لا‌ ينافي ما كُتِب في اللوح المحفوظ أيضًا.

وهذا غير الجزاء الأخروي المدخر له في الآخرة، وقد عظم الله تعالى شأن الوالدين حتى إنه سبحانه نهى الابن عن أن يتلفظ عليهما بأدنى كلمة تضجر كما قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا 24 ) (الاسراء).

 

وثاني هؤلاء الثلاثة:

رجل ضرب مثلاً بالغاً في العفة الكاملة، حين تمكن من حصول مراده من هذه المرأة، التي هي أحب الناس إليه، ولكن عندما ذكرته بالله تركها، وهي أحب الناس إليه، ولم يأخذ شيئاً مما أعطاها، جاء في الصحيحين في حديث السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله أن من ضمن هؤلاء السبعة: ((رجلاً دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)).

يقول الله عزَّ وجلَّ: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 70). (الفرقان).

 

وثالث هؤلاء الثلاثة:

رجل ضرب مثلاً عظيماً في الأمانة والنصح، حيث ثمَّر للأجير أجره فبلغ ما بلغ، وسلمه إلى صاحبه، ولم يأخذ على عمله شيئاً، ما أعظم الفرق بين هذا الرجل وبين أولئك الذين يظلمون الأُجراء ويأكلون حقوقهم، لاسيما إن كانوا من العمال المستضعفين فتجد هؤلاء الظَلَمة يكاد يصدق فيهم قول الله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ 5) (المطففين).

فهـم يريدون من هـؤلاء العمال أن يقوموا بالعمل على أكمل وجه، ولكنهم يبخسونهم حقوقهم ويماطلون في إعطائهم أجرتهم، ألا فليعلم أن من استأجر أجيراً ولم يوفه أجره، فإن الله تعالى سيكون خصمه يوم القيامة، لن يكون خصمك هذا العامل المسكين الضعيف، ولكن سيكون خصمك رب العالمين كما جاء في صحيح البخاري في الحديث القدسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: ((ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه فقد خصمته، وذكر منهم: رجلاً استأجر أجيراً فاستوفى منه، ثم لم يعطه أجره))، والله سبحانه من فضله وإحسانه يجيب دعوة المضطر، ويرحم عبده المؤمن ويجيب سؤاله، كما قال سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة:186)، وقال سبحانه: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر:60)، وقال سبحانه: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (النمل:62).

وقد دل هذا الحديث ايضا على مشروعية التوسل بالأعمـال الصالحة، بل إن ذلك التوسل المشروع سبب لتفريج الكروب، وانظر إلى حال هؤلاء الثلاثة لما ضاقت بهم السبل توسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم ففرج الله عنهم، ولم تنفرج عنهم الصخرة بدعاء واحد منهم، بل بدعاء الثلاثة كلهم، مما يدل على أنه اذا وقعت الامة بشدة وكرب فانه لا يكفي دعاء بعض الصالحين، وبقية الامة لاهية بعيدة عن الله تعالى، بل يجب على كل الامة ان تتوسل الى الله وتدعوه بكشف الكرب والشدة ليرفع الغمة عن الامة.

ومن أهم دروس هذه القصة: أهمية الإخلاص في العمل، فقد كان في آخر دعاء كل واحد منهم: ((فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ فافرج لنا منها فرجة)) يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وهو يستنبط الفوائد والعبر من هذا الحديث: (وفيه من العبر: أن الإخلاص من أسباب تفريج الكربات لأن كل واحد منهم يقول: اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه، أما الرياء – والعياذ بالله -، والذي لا يعمل الأعمال إلا رياءً وسمعة، حتى يمدح عند الناس؛ فإن هذا كالزبد يذهب جفاء لا ينتفع منه صاحبه؛ نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص له، الإخلاص هو كل شيء، لا تجعل نصيباً من عبادتك لأحد، اجعلها كلها لله عز وجل حتى تكون مقبولة عند الله؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن الله عز وجل أنه قال: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) (رواه مسلم). فكان الإخلاص في العمل سبباً لزحزحة الصخرة العظيمة في الجبل بإذن الله تعالى.

 

أيها الاحبة في الله: أتمنى أن نكون قد اخذنا العظة والعبرة من هذه القصة التي رواها لنا الصادق الأمين المبعوث رحمة للعالمين عليه الصلاة والسلام، لنرجع الى الله تعالى ونتوسل اليه وندعوه أن يكشف الغمّة عنّا، وأن يرحمنا وينصرنا على عدونا.