يوم مع هوفمن

قراءة في كتاب الطريق إلى الإسلام

تأليف: السفير الألماني مراد هوفمن

بقلم: غازي السامرائي

رجل من ألمانيا ولد في بداية القرن العشرين، تعرض لحادث مروري أليم فنجا من الموت بأعجوبة، فقال له الطبيب المعالج (إن القدر يخبئ لك شيئاً جيداً)، فيقول عن نفسه: (لازلت أنتظر ذلك القدر حتى نطقت الشهادتين ودخلت عام النور).

ولعل الكثير قد سمعوا عن هذا الاسم في أروقة السياسة وخلف أبواب اللجان الدبلوماسية في الحلف الأطلسي فيما مضى قبل عقدين من الزمن، لكن الذي يخفى عليهم في نفس الوقت أن المؤلف يحمل بين جنباته روحاً بريئة من أوثان المادية ومساوئ الغرب.

ويعد مراد هوفمن من كبار الأعمدة الإسلامية في الغرب الذين كانت لهم وقفات صادقة بوجه تيار الغرب الذي ما فتئ يمارس نقض الفكرة الإسلامية.

ألف كتابة (الرحلة إلى الإسلام) بعد إشهار إسلامه عام 1980، ودون فيها بعض المواقف والتجارب التي تعكس الصورة الحقيقية للإسلام، وتضمن الكتاب خمسة محاور أساسية.

الإسلام دين الخلود

إن الإسلام الدين الوحيد الذي يحظى باحترام بالغ وأهمية كبيرة حتى من غير المسلمين لما يحتويه هذا الدين العظيم من مبادئ تتفق مع الفطرة الصافية تشابه تلك التي يحملها الأطفال عند ابتسامتهم، إضافة إلى وسائل ترقى بالإنسان إلى إدراك وظيفته في هذا الكون وأنه مكلف بإعمار الأرض وخلافتها، كما أنه أسس لشراكة حقيقية في حق العيش بين الأمم مهما اختلفت أفكارهم ودياناتهم ما لم يصدر عنهم أذى أو إثارة حروب ضد ديار المسلمين، بخلاف الديانات التي تعرضت للتحريف والتشويه، وأبى القائمون على محاريبها بالاعتراف بالخطأ من خلال أيادي تعمل في الظلام تسربت سمومهم فيما بعد إلى الكتب السماوية (التوراة، الإنجيل، الزبور)، وبقي الإسلام وحده يحظى بالنقاء الروحي بين سائر الأديان الأخرى حتى يومنا هذا، لأنه ببساطة تكفل الله بحفظه من فوق سبع سماوات (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

فضاء العدل

كل ما ورد في الدين العظيم (الإسلام)، لا يحمل بين تعاليمه إشارة إلى التمييز العنصري أو الفصل الطبقي بين الشعوب بل جاء بكلمة واحدة هي “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله”، من نطق بها دخل في هذه الدائرة الكبيرة التي تساوي بين العامل البسيط وخليفة المسلمين في الحياة العامة، وقد شهدت تاريخ الحضارات جميعاً بالفضل لهذه المنظومة الإسلامية الرائعة التي جعلت العدل واقعاً معاشاً في ربوع الدولة الإسلامية على مر السنين، وأنه دين المساواة والعدل الذي امتد نوره من جزيرة العرب حتى وصل إلى بوابات أوربا.

بستان الفضائل

إن ما ورد في الإسلام من المعاني العالية التي تدل على منظومة أخلاقية متكاملة وتشمل (التسامح، التواضع، خفض الجناح، التراحم، العفو.. الخ)، جاءت بالأساس لتنهي مرحلة من الظلم وشريعة الغاب كانت مسيطرة على المناخ العام في الحياة، ومن ناحية تزرع بذور الخير في النفوس التي يراد لها أن تكون خليفة الله في هذه الأرض، مهمتها إعمار البسيطة، وإرشاد الحيارى إلى صراط الله المستقيم، وأن معاني العفو والبساطة في منظومة التشريع الإسلامي ليست دليل خضوع لإرادة الآخرين أو مبرر لتلقي الضربات أو اللكمات من الأعداء كما صورها بعض المستشرقين أوائل القرن العشرين، بل عندما تحين ساعة إثبات الوجود والدفاع عن المقدسات بكل أشكاله (الدين، الشرف، الأرض) فإن الجهاد في سبيل الله يبقى الخيار الوحيد للتجربة في الميدان.

على نهج الكتاب والسنة

بعد قيام الخلافة الراشدة واتساع رقعة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها اختلطت بعض المفاهيم والأفكار الغريبة من حضارات متعددة مثل الفارسية والرومانية ببعض شعائر الإسلام وخصوصاً العبادات مما نتج عنه نشوء بعض (البدع)، في أوساط المسلمين، وتزايدت بتقادم السنين وتوريث تلك الأمور من الآباء إلى الأبناء وهكذا، والحق أن دين الله سبحانه الذي أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم دين كامل لا يقبل الزيادة أو النقصان ونزل في ذلك تشريع إلهي لا يقبل المساومة (اليوم أكملت لكم دينكم)، وأصبح التشريع يتوقف على منابع أساسية هما (الكتاب والسنة)، وما كان من أخطاء وأمور لا تمت إلى الإسلام بصلة فهي تصرفات عباد هم يحاسبون عليها، دون أن يتحمل الإسلام عواقبها.

نصف المجتمع

مسألة (المرأة) وما صاحبها من هجمات منظمة من الغرب ضد الثقافة الإسلامية ورجالها والأقاويل التي تردد دائماً أن (المرأة)، حبيسة بين جدران أربعة وما إلى ذلك من الشبهات والاتهام، ولسنا بحاجة إلى سرد تاريخي لما كانت عليه (المرأة)، قبل الإسلام وماذا كان دورها أثناء مجيء الإسلام إلى البشرية، بل نكتفي بما يلي:

1- أن (المرأة)، أخذت دور نصف المجتمع في الإسلام ولها إعزاز وإكرام وخصوصية تنعم بها بخلاف ما كانت عليه في التشريعات السابقة من تهميش وابتذال لا مثيل له.

2- أنقذ الإسلام أنوثة المرأة وكرامتها بتشريع قانون الزواج لحمايتها من ذئاب إبليس وعملية التوارث التي سادت المجتمعات الغربية فهي تستبدل الأزواج كما تستبدل الثياب آخر النهار، وقد أدرك الغرب هذا بعد تفشي السرطان القاتل بينهم (الايدز)، وباتوا يترحمون على دور الإسلام في حماية نسائه من هذه الأوبئة والأمراض.

3- إن عملية الأعراف القبلية التي أخذها البعض من العرب مبرراً لقمع المرأة والانتقاص من دورها في الحياة لا يتحمل وزرها الدين العظيم الذي سطعت فيه نجوم من الصحابيات وأمهات المؤمنين وضربن مثالاً للعطاء والتضحية ففي الفقه والعبادة اشتهرت أم المؤمنين عائشة وفي التجارة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد وفي المعارك وسوح القتال نسيبة الأنصارية وفي الشعر والفصاحة الخنساء رضي الله عنهن أجمعين، فهل بعد هذا من مبرر لتلقي الاتهامات أن المرأة لم تأخذ حقها كاملاً في إسلامنا العظيم.