تذكير المتقين بحقوق المسلمين

تذكير المتقين بحقوق المسلمين

بقلم: الشيخ الدكتور ضياء الدين عبدالله الصالح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ورضي الله عن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: 

فيا أيها الأحبة في الله، إعلموا أن لإخوانكم المسلمين عليكم حقوقا ينبغي عليكم القيام بها، وهي يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات الآية:10).

وقد حث النبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمين على تأدية هذه الحقوق، التي تقوي الروابط الإيمانية والأخوية بين بعضهم البعض، وحذرهم من ضياعها أو التفريط بها، ولو عمل بها المسلمون الآن لما حل بالأمة ما حل، من الضياع والظلم والطغيان وتسلط الكفار والمنافقين على رقاب المسلمين، فضّيعت الحقوق وأزهقت الأرواح المعصومة، وانُتهكت الحُرمات، وعمّت الفتنة، فلا مخرج ولا خلاص إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فهما وعلما وعملا على طريقة السلف الصالح للأمة.

وحقوق المسلم على أخيه المسلم كثيرة ومتنوعة، وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصولها في الحديث الذي يرويه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه، وخرجه الإمام مسلم في صحيحه، أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((حق المسلم على المسلم ست))، قيل: وما هن يا رسول الله قال: ((إذا لقيته فسلم عليه, وإذا دعاك فأجبه, وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته, وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه))، هذه الحقوق الستة من قام بها في حق أخيه المسلم كان قيامه بغيرها أولى، وحصل له أداء هذه الواجبات والحقوق التي فيها الخير الكثير والأجر العظيم من الله تعالى.

الحق الأول: ((إذا لقيته فسلم عليه))

فالسلام تحية الإسلام في الدنيا والآخرة في الجنة ،وهو اسم من أسماء الله الحسنى، ولهذا رغب النبي صلى الله عليه وسلم، في إفشاء السلام، لما له من الأثر الواضح في حياة المسلمين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) رواه البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا أيها الناس افشوا السلام واطعموا الطعام, وصلوا الأرحام, وصلوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة سلام)) رواه الترمذي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وقد رغب أيضا في الابتداء بالسلام فعن أبي أمامة رضي الله عنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام)) رواه أبو داود وصححه الألباني، وأن يأتي به على الوجه الأكمل لينال كامل الأجر والثواب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أن رجلا مرّ على النبي صلى اله عليه وسلم وهو في مجلس فقال السلام عليكم. فقال عليه الصلاة والسلام ((عشر حسنات)) فمرّ رجل أخر فقال ((السلام عليكم ورحمة الله)) فقال عليه الصلاة والسلام ((عشرون حسنة)) فمرّ رجل أخر فقال ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) فقال عليه الصلاة والسلام ((ثلاثون حسنة)) رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.

ولكن مع الأسف الشديد، نجد اليوم أن بعض المسلمين قد استبدل تحية الإسلام على كثرة ما جاء في فضلها من أحاديث، بتحيات أخر، لم يأت بها الشرع، أو بتحيات أجنبية مما لا يصح في شريعتنا، وإنما الذي يشرع سواءا في التسليم أو التوديع قول: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، وعلى المسلم رد التحية بأحسن منها، أو مثلها، لقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} (النساء :86)، فإلقاء السلام سنة ورده واجب، وعدم إفشاءه من البخل المذموم ،فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبخل الناس من بخل بالسلام)) رواه الطبراني وحسنه الألباني، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من بدا بالكلام قبل السلام فلا وتجيبوه)) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة وحسنه الألباني، ولا بأس بالمصافحة عند اللقاء، بل رغب فيه عليه الصلاة والسلام فقال: ((إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه واخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر)) رواه الطبراني وصححه الألباني، وعن انس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صافح رجلا لم يترك يده حتى يكون هو التارك ليد رسول الله)) رواه ابن ماجة وصححه الألباني.

الحق الثاني: ((إذا دعاك فأجبه))

أي إذا دعاك لدعوة طعام أو شراب فاجبر خاطره لذلك، إلا لعذر شرعي، لان إجابة الدعوة واجبة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب)) رواه مسلم، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) رواه مسلم، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وفيه دليل وجوب الإجابة، لان العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب.

ويجوز ترك حضور الدعوة التي فيها معصية لله تعالى، بل يجب عليه، إلا أن يقصد إنكارها ومحاولة إزالتها، فعن علي ابن أبي طالب رض الله عنه قال: صنعت طعاما فدعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع، قال فقلت يا رسول الله: ما أرجعك بابي أنت وأمي قال: ((إن في البيت سترا فيه تصاوير وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير)) رواه ابن ماجة وصححه الألباني، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله علي وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر)) رواه الإمام احمد وصححه الألباني.

الحق الثالث ((وإذا استنصحك فانصح له))

فإذا استشارك في عمل من الأعمال هل يعمله أم لا، لجهله بعواقبه فانصح له بما تحب لنفسك، فإذا كان العمل نافعا وشرعيا فحثه عليه، وإن كان مضرا فحذره منه وأرشده إلى المصالح أو المفاسد فيه، وإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وكذلك إذا استشارك على معامله احد من الناس أو التزوج منه أو تزويجه، فأظهر له حسن نصحك، واعمل له من الرأي ما تعمل لنفسك، فقد رغب عليه الصلاة والسلام في ذلك فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على اقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) رواه البخاري ومسلم، وعن تميم الداري رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة))، قلنا لمن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) رواه مسلم، ومعنى نصيحة الله؛ صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب الله هو التصديق به والعمل بما فيه، ونصيحة رسوله التصديق بنبؤته ورسالته والانقياد بما أمر به ونهى عنه، ونصيحة الأئمة أن يطيعهم في الحق ولا يرى الخروج عليهم مالم يأتوا بكفر بواح، ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم في أخرتهم ودنياهم.

وإياك أن تغش أخاك المسلم في أي شأن، فمن غش المسلمين فليس منهم، وقد ترك واجب النصيحة لهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((من غش فليس مني)) رواه ابن حبان وحسنه الألباني.

الحق الرابع: ((وإذا عطس فحمد الله تعالى فشمته))

لأن العطاس نعمة من الله تعالى، بخروج هذه الريح المحتقنة في أجزاء بدن الإنسان، يسر الله تعالى لها منفذا تخرج منه فيستريح العاطس، فشرع له أن يحمد الله على هذه النعمة، وشرع لأخيه أن يشمته فيقول له: يرحمك الله، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله فإذا قال، فليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله فإذا قال له يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم)) رواه البخاري، وأما ما يفعله البعض عند العطاس فيقول كلاما بدلا من الحمد لله، فهذا خلاف هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم وسنته، وقد أوجب رسول الله صلى الله علية وسلم تشميت العاطس على كل من سمعه، فقال: ((إذا عطس أحدكم فحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله)) رواه البخاري، قال العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: (وظاهر الحديث أن التشميت فرض عين على كل من سمع العاطس يحمد الله ولا يجزي تشميت الواحد عنهم وهذا احد قولي العلماء واختاره ابن أبي زيد وأبو بكر بن العربي). فإن لم يحمد العاطس الله تعالى لا يشمت لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه وإذ لم يحمد الله فلا تشمتوه)) رواه مسلم، وعن سلمة بن الاكوع رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: ((يشمت العاطس ثلاثا، فما زاد فهو مزكوم)) رواه ابن ماجة وصححه الألباني.

الحق الخامس: ((وإذا مرض فعده))

إن عيادة المريض وزيارته من حقوق المسلم ،وخصوصا من له حق عليك متأكد كالقريب والجار والصاحب، وهذه الزيارة من أفضل الأعمال الصالحة، ومن عاد أخاه المسلم لم يزل في رحمة الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علية وسلم: ((من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبؤات من الجنة منزلا)) رواه الترمذي وحسنه الألباني، وعن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: ((ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وان عاده عشية الاصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف – ثمر جني – في الجنة)) رواه الترمذي وصححه الألباني، ويتعين لمن زار مريضا ان يشرح خاطره بالبشارة بالعافية والدعاء له بالشفاء، ويقول له كما في الحديث الذي رواه البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا بأس طهور إن شاء الله))، ثم يدعو له، كما روى البخاري ومسلم: ((اللهم رب الناس اذهب البأس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقما))، وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((من عاد مريضا لم يحضر اجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض)) رواه أبو داود وحسنه الألباني، ويسن له أن يبشر المريض بتكفير الذنوب والخطايا، وأنه رحمة من الله تعالى لقوله عليه صلاة والسلام الذي رواه البخاري ومسلم: ((ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب -المرض – ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه))، ويجب تذكير المريض بان الله عزوجل هو الشافي، كما قال إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}(سورة الشعراء:80)، ويجب نهي المريض عن تعليق حجاب أو تمائم أو خرزات، لأنها من الأعمال الشركية التي حرمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

الحق السادس: ((إذا مات فاتبعه))

حض النبيّ صلى الله عليه وسلم على إتباع الجنائز وشهودها، حتى تدفن لما فيها من حق المسلم على المسلم، والأجر العظيم وتذكر الآخرة، وان كل إنسان سيأتي عليه يوم تنتهي فيه دنياه ولاينفعه مال ولاجاه ولا أولاد، إنما هي الحسنات والسيئات، وان الإنسان قد ابتدأ رحلة طويلة أول منازلها القبر وآخرها جنة النعيم أو عذاب الجحيم، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}(آل عمران:185)، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صله الله عليه وسلم: ((من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها، فانه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل جبل احد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل تدفن فانه يرجع بقيراط)) رواه البخاري.

وهناك حقوق أخرى ذُكرت إجمالا وحث عليها الإسلام، منها إبرار القسم، فمن حق أخيك المسلم عليك أن تبر قسمه إذا اقسم عليك في شيء لامحذور فيه، حتى لايحنث في يمينه، وكذلك من حقه إن تحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك، وأن تحب له ماتحب لنفسك من الخير، وتكره له ماتكره لنفسك من الشر، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))، ومن حقه عليك أن تخالقه بخلق حسن، فتبذل المعروف وتكف عنه الأذى، وأن توقره إن كان كبيرا وترحمه أن كان صغيرا، وان تنصفه من نفسك وتعامله بما تحب أن يعاملك به، وأن تساعده إذا احتاج إلى مساعدة، وان تشفع له شفاعة حسنة في قضاء حاجته إذا كانت شرعية، وأن تكون صادقا معه ومع الناس، فلا تغش ولا تخدع ولا تغدر ولا تحسد، وكن موفيا بالعهد عفوا متسامحا حليما متجنبا السباب والشتم وفحش الكلام، ولا ترمي أحدا من المسلمين بفسق أو كفر بغير حق، ولا تتدخل فيما لا يعنيك، وان تبتعد عن الغيبة والنميمة وقول الزور، وظن السوء، وان لاتفشي سرا، وكن متواضعا ولا تتكبر، ولا تسخر من أخيك، وأن تخالط الناس وتصبر على أذاهم، وتدعوهم إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وان تكافئ المعروف وتشكر عليه، وان تتخلق بأخلاق الإسلام الحميدة، وتنتهي عن الأخلاق الذميمة.

فهذه بعض من الحقوق المطلوبة منك تجاه أخيك السلم، وهي تدل على شخصية المسلم المشرقة العظيمة، التي صانها الإسلام، وان تعتقد أن فعلك إياها عبادة لله تعالى وقربة تتقرب بها إليه، ترجو من ذلك الأجر والثواب في الآخرة، والتوفيق والتسديد في الدنيا.

اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.