المجمع الفقهي العراقي
من نحن
اطلالة
فإن المجتمعات المتحضرة تبحث دوماً عن حلول مختلفة لما يعترضُها من مشكلاتٍ ترافق طبيعة الحياة اليومية التي يعيشُها افرادُها، وهذا مايميِّزُها عن غيرها من المجتمعات الأخرى التي تَغلِبُ عليها طبائعَ شتى، أو تتحكمُ بها الأهواءُ والنزعاتُ بما يتعذرُ معه الوصولُ الى حلِّ ولو لأبسطِ مشكلة، او عقبةٍ تقِفُ في طريق فردٍ من أفرادها.
وواضح أن الناس ليسوا سواءً في العقل والفَهم والتلقي وحسن التصرف والتدبير، لذلك كانت الحاجةُ قائمةً دوماً الى فقهاء وعلماءَ يمهدون الطريق أمامهم، ويُنيرونَ عليهم عتمته، فأصبحت طاعة أهل العلم والحكمة سبيلاً لرخاء المجتمعات والناس، وحسن ائتلافهم، واجتماع كلمتهم وقلوبهم، فحازوا بذلك الإحترام والتقدير والتأييد.
وحينما نحل في رحاب بلادنا، وبين أبناء شعبنا العراقي، نجد أن الشرع والحكمة وتوقير العلم والعلماء لا تزال له مساحة واسعة في ضميرهم، ولهذه المساحة من الإحترام دور في اتزان الأوضاع، والعودة الى الصواب كلما ارتفعت امواج العداوة والبغضاء، وعواصف الفتنة والشحناء التي تثار ممن لا يريد الخير للإنسانية، من أعداء الله والشعوب والإنسانية جمعاء.
إن الدين الإسلامي دستورُ الله في الأرض، وإنَّ تفاوت المجتهدين في استنباط نصوصه، وتقديم ما يصلح الناس دليلٌ عظيم على خلوده ومرونته، وصلاحه لكل عصر ومصر، وإن المحاولات التي تحول بين الإنسان وبينه ستبوء بالفشل لعدم قدرتها على تقديم حلول ناجحة ورصينة يبحث عنها المجتمع ويطمئن لها.
وأسوة بالدور الكبير الذي تلعبه المجامع الفقهية في العالمين العربي والإسلامي، وما تؤديه من أدوار عظيمة في تقديم حلول باهرة لجميع المستجدات الطارئة والنوازل الحادثة، وتواصلا مع دور الفقه العراقي ومكانته، وأثره التاريخي والإنساني الكبير في مسيرة الفقه الإسلامي على مر العصور، ولد “المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والافتاء” ليشكل مرجعية شرعية وليشارك في بناء البلاد، وتسليط الضوء على ما يمتلكه ابناؤه من عقول فذة، وامكانات قادرة على صياغة اسلوب افضل لمعايير الإبداع في الحياة.
وستبقى ابوابه مشرعة للتواصل تحت مبدأ: “الجميع شركاء في المسؤولية والنجاح”.
وما توفيقنا الا بالله
التعريف
مرجعية شرعية مستقلة لأهل السنة والجماعة، ليست حكومية، ولا تحتاج الى تشريع أي قانون لتشكيلها؛ تتفاعل وتتعاون مع المؤسسات العلمية الشرعية داخل العراق وخارجه، لغرض تحقيق الأهداف المنشودة ضمن حدود الشريعة الاسلامية، مع مد جسور التعاون والتواصل وتبادل الخبرات مع الهيئات والمنظمات والمؤسسات كافة.
الرؤية
تحقيق مرجعية شرعية لأهل السنة والجماعة.
الرسالة
بالشرع والشورى والتجديد نحيا حياة طيبة.
الاهداف العامة
1. نشر الدعوة الاسلامية عقيدة وشريعة ونظاماً واخلاقاً.
2. تحذير المجتمع من الافكار الهدامة وبيان خطرها.
3. دراسة النوازل العامة وبيان موقف الشرع منها وإصدار الفتاوى بخصوصها.
4. دراسة التشريعات الرسمية وبيان الحكم الشرعي فيها.
الاهداف المرحلية
1. ترسيخ المرجعية الشرعية لأهل السنة والجماعة.
2. إيصال صوت المجمع الفقهي العراقي الى الرأي العام العراقي، والى المحيطين العربي والعالمي.
3. الحضور الفاعل في المؤتمرات والمجامع العلمية.
4. ترشيد الفتاوى الفقهية لمنع الاختلال الفكري والسلوكي في المجتمع.
5. نشر العلم الشرعي المستند الى الضوابط والأصول العلمية المعتمدة.
6. الارتقاء بالمستوى العلمي للدعاة وطلبة العلم.
7. الاهتمام بالعلم والعلماء وترسيخ الهيبة للفتوى والمفتين.
نشأة الافتاء وتاريخه
منصبُ الفتوى هو مَنْصِبُ التَّوْقِيعِ عن الله I في أمور الحلال والحرام، وهذا الْمَنْصِبُ تَوَلاهُ رَبُّ الأَرْبَابِ نَفْسُهُ فقالَ سبحانه:{وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ}(سورة النساء/ 127)، أي يطلبون منك الفتوى في شأن ميراث النساء قل لهم الله يفتيكم فيهن، وقد بدأت الفتوى في عهد رسول الله صلى الله عليه سلم ومرت بأدوار يمكن أن نجملها بما يأتي:
ففي العصر النبوي: كان القرآن الكريم هو الذي تولى التأسيس للأحكام التي يحتاجها المكلفون، ثم في المدينة (بعد الهجرة) ظهرت فتاوى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وظهرت فتاوى لبعض أصحابه رضي الله عنهم.
وَأَوَّلُ من قام بهذا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ عبد اللَّهِ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم، فكانت فتاواهe جوامع الأحكام، وفصل الخطاب، وهي في وجوب إتباعها وتحكيمها ثانية الكتاب.
وفي عصر الصحابة رضي الله عنهم: سار أئمتهم على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم فاضطلعوا بوظيفة الإفتاء بعده… وقد بدأ نوع من التخصص يظهر في هذا الدور، فهناك الصحابة العلماء الذين لازموا الرسول e وتعلموا منه أصول المسائل ومقاصد التشريع، فصاروا يستطيعون استنباط علل الأحكام؛ والقياس عليها؛ وهم الذين مارسوا الإفتاء في النوازل المحدثة بعد رسول الله e وكثير منهم ممن مارس الإفتاء وتدرب عليه في حياة النبي عليه الصلاة والسلام.
وفي هذا العصر وجد نمط الإفتاء الجماعي إلى جانب الفتاوى الفردية؛ فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا نزل به أمر شاور أهل الرأي والفقه ودعا رجالاً من المهاجرين والأنصار؛ كعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، فكل هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر، وفي خلافة عمر؛ كان يدعى هؤلاء النفر وغيرهم إلى اجتماعات لمدارسة الفتوى في النوازل الجديدة.
والفتاوى الفردية هي التي تصدر عن بعض الصحابة اجتهاداً، فكانوا رضي الله عنهم ربما صدرت الفتوى من آحادهم في نازلة ما، وَكَانُوا بين مُكْثِرٍ منها وَمُتَوَسِّطٍ وَمُقِلٍّ.
وهنا بدأ ظهور الخلاف الفقهي بين المفتين في الوقائع المستجدة التي لم توجد فيها نصوص… فواكبه ظهور التقعيد الأصولي للإفتاء واستنباط الأحكام.. كما كان الإفتاء الجماعي هو الأوسع في بداية هذا العصر (عصري أبي بكر وعمر رضي الله عنهما)، ثم انحسر بسبب الفتوحات الإسلامية واتساع رقعة العالم الإسلامي وانتشار المفتين فيه، وربما كان للصراعات فيما بعد أثر فيه.
وظهرت في هذا العصر بدايات ما سمي بالإفتاء بالرأي الممدوح الذي لا يتعارض مع النصوص من الكتاب والسنة، بل يتمشى مع مقاصد الشريعة.
وفي عصر التابعين: ظهرت مراكز هي حواضر العالم الإسلامي؛ تواجد فيها المفتون من كبار التابعين الذين كان لكل واحدٍ منهم منهجه في الفتوى، وأهم هذه المراكز: مكة والمدينة والبصرة والكوفة ومصر والشام واليمن.
وفي هذا العصر بدأت تتضح معالم فقه عراقي من خلال مركزي البصرة والكوفة، فقد اشتهر في البصرة: من التابعين أبو سعيد الحسن بن يسار البصري الذي أدرك خمسمائة من الصحابة. ومحمد بن سيرين الأنصاري البصري، مولى أنس بن مالك رضي الله عنه، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، الفقيه أحد الأئمة الأثبات روى عن أبيه وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وحذيفة وابن سلام وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم.
وفي الكوفة: كان كبار التابعين من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه يفتون ويستفتيهم الناسُ؛ وأكابرُ الصحابة أحياءٌ حاضرون يجوِزون لهم ذلك، وأكثرهم أخذ عن عمر وعلي وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم، وأشهرهم علقمة بن قيس النخعي (ت62هـ)، ثقة منَ الربانيينَ؛ والأسودُ بن يزيدٍ النخعي (ت77هـ)، كوفيٌ تابعيٌ مخضرمٌ، ثقة من أهل الخير أخذ القراءة عرضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه. وكان رأسا في العلم والعمل.. وشريح القاضي (ت 78هـ)، وكان أعلمهم بالقضاء.
فضلا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الذي أخذ عن مائة وعشرين من الصحابة وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير.. ثم كان بعد هؤلاء حماد ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة.
وقد غلب على الفقه العراقي التوسع في الاستدلال العقلي، والخصوبة في الرأي مع اعتماد الأثر.
عصر التدوين وظهور المدارس الفقهية: وفيه ظهرت مدرستا أهل الرأي وأهل الحديث: فانتشرت في العراق بوضوح مدرسة أهل الرأي وظهرت في مقابلها في الحجاز مدرسة أهل الحديث.
وتَقَررت فيه المذاهب ومناهجها في الإفتاء؛ فظهر نوابغ الفقه وأئمة الفتوى الذين أسسوا المذاهب الفقهية، فوضحت اتجاهات هذه المدارس الفقهية وصار لها أتباع في البلدان وألفت كتب الفقه ووضع علم أصول الفقه لضبط أصول الاستنباط وقواعد الإفتاء في كل مذهب.
وكان أقدم هذه المذاهب التي بقيت إلى الآن عند أهل السنة مذهب إمام أهل الرأي وفقيه العراقيين أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي (ت150هـ) رحمه الله.
فضلا عن مالك بن أنس الأصبحي (ت179هـ) الذي كان في المدينة، وجمع أصل مذهبه في كتابه الموطأ.. ومحمد بن إدريس الشافعي (ت 204هـ) الذي جمع بين أصول مدرسة الحديث في الحجاز ومدرسة الرأي في العراق عندما غادر شيخه مالك في المدينة وتوجه إلى بغداد ليدرس على يد تلميذ أبي حنيفة محمد بن الحسن، ثم الإمام العراقي أحمد بن حنبل الشيباني (ت241هـ)، وكان يُحِبُّ تَجْرِيدَ الحديثِ وَيَكْرهُ أَنْ يَكْتُبَ كَـلامَهُ معـه، وجُمِعَ من فَتْاوَاهُ أَكْثـرُ من ثَلاثِينَ سِفْرًا.
ومن المذاهب الفقهية الرائدة مذهب الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر (ت148هـ)، ومذهب الامام زيد بن علي زين العابدين (ت 122هـ) رحمهم الله اجمعين.
عصر التقليد: واقتصرت جهود العلماء في هذا العصر على تعليل الأحكام المنقولة عن الأئمة والترجيح بين الأقوال المنقولة عن إمام المذهب على ضوء ما استخلصوه من قواعد وأصول المذهب وتحرير أوجه الخلاف بين المذاهب وذكر الأدلة لدعم قول المذهب.
كما ظهرت أساليب تأليف جديدة في الفقه وأصوله تمثلت بالكتابة على المستويات الآتية:
– المتون التي تحوي آلاف المسائل في فقه المذهب.
– ثم شروح المتون إذ قام مؤلفو المتون أو تلاميذهم أو غيرهم بشرحها.
– ثم الحواشي وهي مناقشات واعتراضات وتعليقات على الشروح.
وفي هذا العصر ظهرت كتب الفتاوى؛ وهي أجوبة لما كان يسأل الناسُ عنه الفقهاءَ في مسائل الحياة العملية؛ ثم تجمع من قبل أصحابها أو تلاميذهم أو آخرين، وترتب وتُبوّب وقد يستدل لها من نصوص المذهب الذي يتبعه المفتي أو من نصوص الكتاب والسنة.
الإفتاء في العصر الحديث: وتميز بظهور اهتمام كبير بالحركة العلمية لم يسبق له مثيل، بسبب التطور العلمي في الطباعة ووسائل الإتصال وانتشار الدراسات الجامعية.. واتخاذ أسلوب الاجتهاد الجماعي لحل المعضلات العصرية التي تواجه المسلمين سواء في المسائل الاقتصادية أو الطبية أو القانونية أو السياسية، مما له تعلق بالأحكام الشرعية، فوجدت أقسام للفتوى في المؤسسات الإسلامية المتخصصة كالمصارف الإسلامية.
ومما امتاز به هذا العصر ظهور ما سمي بفقه الأقليات، إذ يعيش قرابة ثلث المسلمين خارج ديار العالم الإسلامي كأقليات، ولا يخفى أنّ آليات الإفتاء في العالم غير الإسلامي غير تلك التي في ديار المسلمين لبعض الخصوصيات.
وبرزت في هذا العصر فوضى في الفتوى أدت إلى صدور فتاوى شاذة لأسباب مختلفة، وقد تركت هذه الفتاوى آثاراً سيئة على مستوى الأمة، لذا فمن الضروري تحقق المؤهلات العلمية الواجب توافرها في القائم بأمورالإفتاء لمعالجة بعض أسباب الشذوذ في الفتوى.
ولمعالجة هذه الفوضى كان لا بدَّ من عدم عدِّ الفتوى الصادرة عن أي جهة كانت صحيحة ومقبولةً، إلا إذا استندت إلى دليل شرعي معتمد، وكانت متسقة مع مقاصد الشريعة، كما لابدَّ من تفعيل الاجتهاد المجمعي في التشريعات الخاصة بالعلاقات الدولية والقضايا المصيرية؛ ومنع الفتوى الفردية في مثل هذه القضايا التي تخص مصير الأمة وحث الدول الإسلامية على العمل بذلك؛ وهذا ما يتبناه مجمعنا الفقهي العراقي اليوم ليتواصل مع الجذور متطلعًا لآفاق التجديد.
المرجعية والاجتهاد الجماعي
لم يدرك علماء الأمة الإسلامية ومفكروها ضرورة المرجعية الشرعية والاجتهاد الجماعي مثلما أدركوه في العصور المتأخرة، ولاسيما بعد سقوط الدولة العثمانية، وإن كانت الدولة الإسلامية عرفت منهجية الاجتهاد الجماعي منذ بواكير قيامها.
ومع أنَّ مصطلح الاجتهاد الجماعي ليس له وجود لفظي في المدونات الأصولية السابقة، ولكن له وجود غير مباشر في تلك المدونات، فالحديث عن الإجماع يعد حديثاً ضمنياً عن الاجتهاد الجماعي إذ يعرف جمهور العلماء الإجماع بأنه “اتفاق المجتهدين من الأمة الاسلامية في عصر من العصور على حكم شرعي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم”، وهذا يعني أنه لا يمكن أن ينعقد إجماع في الغالب من دون اجتهاد جماعي، فالاجتهاد الجماعي مقدمة ضرورية لفكرة الإجماع.
واذا كان الاجتهاد كما يعرفه ابو اسحق الشيرازي (في اللمع ص 75): هو “استفراغ الوسع وبذل المجهود في طلب حكم شرعي”، فإنّ الاجتهاد الجماعي عند المعاصرين هو “استفراغ اغلب الفقهاء الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريق الاستنباط ، واتفاقهم جميعا أو اغلبهم على الحكم بعد التشاور”.
ومن حيث الحجية: فإنّ كل نص شرعي دلَّ على الاجتهاد هو حجة في الاجتهاد الجماعي، لكونه اجتهاداً، بل هو اولى لأنه اقرب الى المراد، فضلا عن انَّ مصادر التشريع تضمنت نصوصها ما يفيد حجية الاجتهاد الجماعي،منها؛ قوله تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (سورة التوبة/ 122)، وقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (سورة الانبياء/ 7) وقوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا) (سورة النساء/ 83)، وقوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى/ 38)، وقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (سورة النساء/ 115)، وقد استدل الاصوليون بهذه الآية الكريمة على أنَّ إجماع هذه الأمة حجة، وأنّها معصومة من الخطأ، ومعلوم أنَّ الاجماع هو في الغالب نتيجة الاجتهاد الجماعي بعد اتفاقهم، كما دلت الآيات على وجوب مراجعة العلماء فيما لا يعلم، وجاء وصف الجهة التي يرجع اليها في السؤال والاستنباط بصيغة الجمع، اشارة على اعتماد العمل الجماعي في هذا الامر، وبمعنى ادق مراعاة الاجتهاد الجماعي في الاستنباط واصدار الاحكام.
وفي الجانب العملي يؤكد جمهور الفقهاء والاصوليين على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وضع أصولا ونماذج تطبيقية للاجتهاد الجماعي، ولاسيما أنَّ الله عز وجل حض نبيه الكريم على مشاورة أصحابه، بقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (سورة آل عمران/159)، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأكثر منه، عن ابي هريرة رضي الله عنه قَالَ :مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رواه احمد (ح18928) والترمذي (ح1714).
وبطبيعة الحال أن تكون المسائل المتعلقة بالسياسة الشرعية وإدارة الدولة والمسائل الفقهية العملية التي لم ينزل فيها وحي هي من أوسع ما وقع فيها المشاورة الاجتهادية، ومن ذلك على سبيل الاجمال: الاجتهاد والمشاورة في الخروج الى موقعة بدر، وفي أسرى بدر، وفي الغنائم، وفي الخروج لملاقاة قريش في موقعة احد، وفي اعطاء غطفان شيئا من ثمار المدينة في غزوة الاحزاب وفي حادثة الافك، وغيرها.
وصار الاجتهاد الجماعي منهجا للخلفاء الراشدين ومن بعدهم، فإذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم امر اجتمعوا لها واجمعوا، فالحق فيما رأوا، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى فإن وجد فيه ما يقضي به، قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن وجد فيها ما يقضى به، قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم، فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به.
وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة، سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء، قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء، قضى به، وكان اذا رفعت اليه قضية قال: ادعو لي عليا، وادعوا لي زيدا -رضي الله عنهما- وكان يستشيرهم ثم يفصل بما اتفقوا عليه. (اعلام الموقعين 1/63).
وحينما ولي عمر بن العزيز رحمه الله أمر المدينة، صلى الظهر ثم دعا عشرة من فقهاء المدينة، وهم إذ ذاك سادة الفقهاء، فلما دخلوا عليه أجلسهم، ثم حمد الله وأثنى عليه، وقال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، وأنشأ كبير علماء الأندلس في عصر الدولة الأموية يحيى بن يحيى الليثي، مجلساً للشورى ينظر في المشاكل الفقهية، ووصل عدد أعضاء هذا المجلس ستة عشر عضواً من العلماء الأكفاء.
كما انَّ اقرار الامة بحجية الإجماع ووقوعه عمليا، هو إقرار ضمني بحجية الإجتهاد الجماعي ، ويؤكد بعض العلماء المعاصرين على أنَّ الاجماعات المحكية في الفقه مصدرها الاجتهاد الجماعي الشوريُّ.
ثم إنَّ الحاجة إلى المرجعية الفقهية الجماعية تأتي من كونها ضرورة شرعية لها مبررات واقعية وعقلية منطقية، لاسيما مع توسع المعارف وتشعب المسائل، فمما لاشك فيه أنَّ رأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد، مهما علا كعبه في العلم، فقد يلمح جانباً في الموضوع لا يتنبه له آخر، وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره، وهذه من بركات الشورى، ومن ثمار العمل الجماعي دائماً.
وفي ظل غياب الخلافة وتشتت الامة الإسلامية، فلا مناص على فقهاء الشريعة وعلماء السياسة الشرعية أن يعودوا بدائرة الاجتهاد الجماعي الى المسائل والنوازل السياسية والاجتماعية العامة سواء على المستوى القطري أو على مستوى العالم الاسلامي اجمع.
وعمقا في الادراك فإنَّ الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي أعقبتها مباشرة الدعوة إلى تشكيل مرجعيات شرعية على شكل مجامع فقهية عالمية، يتم من خلالها مناقشة المسائل المستجدة، والحوادث النازلة، والقضايا العامة التي تعم بها البلوى.
ولأن للعراق وضعه الخاص في ظل البيئة والتحديات التي يواجهها، فإنَّ المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والافتاء عند تأسيسه جمع الى دوره الفاعل والريادي في الدعوة والافتاء الجماعي أن يكون مرجعية شرعية لأهل السنة والجماعة في العراق تأخذ على عاتقها مسؤولية صناعة حياة طيبة لأهله جميعا بإذن الله تعالى.